انخفاض درجة حرارة الجسم هو حالة طبية طارئة تحدث عندما يفقد الجسم حرارته بوتيرة أسرع من قدرته على إنتاجها، مما يؤدي إلى هبوط الحرارة إلى أقل من 35 درجة مئوية (95 فهرنهايت). تتجاوز مخاطر انخفاض درجة حرارة الجسم (Hypothermia) مجرد الشعور بالرجفة؛ فهي قد تؤدي إلى فشل تدريجي في وظائف القلب والجهاز التنفسي إذا لم يتم تداركها فوراً.
![]() |
| كبار السن قد يصابون بانخفاض درجة حرارة الجسم حتى داخل المنزل |
وبينما يُعد الطقس البارد السبب الأكثر شيوعاً، فإن فهم أعراض انخفاض درجة حرارة الجسم بدقة يعد أمراً حيوياً للتدخل المبكر، خاصة لدى الفئات الضعيفة كالأطفال وكبار السن. يستعرض هذا المقال دليلاً مفصلاً حول علاج انخفاض درجة حرارة الجسم وخطوات الإسعاف الأولي المعتمدة طبياً لإنقاذ حياة المصاب.
ما هو انخفاض درجة حرارة الجسم (Hypothermia)؟
طبياً، يُعرف انخفاض درجة حرارة الجسم بأنه الحالة التي تهبط فيها درجة حرارة الجسم الداخلية (Core Body Temperature) إلى أقل من 35 درجة مئوية (95 درجة فهرنهايت).
من المهم أن نعلم أن درجة الحرارة الطبيعية للإنسان تتراوح عادة حول 37 درجة مئوية، وأي انخفاض بسيط عن هذا المعدل قد يؤثر فوراً على وظائف القلب، الجهاز العصبي، وأعضاء الجسم الحيوية الأخرى. إذا تُركت الحالة دون علاج، فإن الفشل التام في وظائف القلب والجهاز التنفسي يصبح نتيجة حتمية، مما يؤدي للوفاة.
كيف يفقد الجسم الحرارة؟
لكي تحمي نفسك، يجب أن تفهم كيف تنخفض الحرارة الداخلية. تشير المراجع الفيزيولوجية إلى 4 طرق رئيسية:
- الإشعاع الحراري: تخيل الجسم كمدفأة؛ الحرارة تنبعث أساساً من الرأس والرقبة، مما يسبب انخفاض درجة حرارة الجسم إذا لم تقم بحمايتهما من فقدان الحرارة وتغطيتهما جيداً.
- التوصيل المباشر: الملامسة أخطر من الهواء المسبب لانخفاض الحرارة. الجلوس على صخرة باردة أو السقوط في ماء بارد يسحب درجة حرارة الجسم بسرعة تزيد عن الهواء بـ 25 ضعفاً.
- تيارات الهواء (الرياح): كلما زادت سرعة الرياح، زادت إزالة طبقة الهواء الدافئ الرقيقة الملاصقة لجلدك.
- التبخر: الملابس المبللة (سواء بالعرق أو المطر) تمتص الطاقة لتجفف نفسها، مما يبرِّدك.
نقطة جوهرية: الفرق بين انخفاض درجة حرارة الجسم وقشعريرة البرد العادية
القشعريرة (الارتجاف) هي استجابة صحية يحاول بها الجسم توليد حرارة إضافية لتعويض انخفاض الدفء. الخطر الحقيقي – والذي نغفل عنه غالباً – يبدأ عندما يتوقف الارتجاف. إذا كنت في جو بارد وتوقف جسمك عن الارتعاش وبدأت تشعر بالنعاس، فهذا ليس دليلاً على الدفء، بل إنذار أحمر بأن الحرارة الداخلية تنخفض.
أعراض انخفاض درجة حرارة الجسم
تصنف الدراسات السريرية تلك الأعراض إلى مراحل، ويتم قياسها واكتشافها مبكراً لضمان النجاة عند حدوث انخفاض مفاجئ:
1. أعراض المرحلة الخفيفة
في هذه المرحلة تكون الحرارة بين 35 - 32 درجة مئوية (95-90 فهرنهايت). هنا لا يزال الجسم يقاتل ضد انخفاض الحرارة:
- ارتجاف شديد لا إرادي لرفع الحرارة.
- تداخل في الكلام (التلعثم).
- تسارع في التنفس وضربات القلب بسبب محاولة الجسم تعويض انخفاض الحرارة.
- شحوب وبرودة في الأطراف نتيجة تراجع الحرارة الداخلية.
2. أعراض المرحلة المتوسطة
تبدأ هذه المرحلة بين 32 - 28 درجة مئوية (90-82 فهرنهايت). تبدأ وظائف الدماغ بالتأثر حين تنخفض درجة حرارة الجسم لهذه الحدود، وهنا تحدث الكوارث، حيث تشير تقارير JAMA الطبية إلى حالة غريبة تسمى "خلع الملابس التناقضي" (Paradoxical Undressing)، حيث يشعر المصاب بتوهم حرارة كاذبة ويقوم بخلع ملابسه وهو يتجمد:
- توقف الارتجاف تماماً رغم البرد.
- النعاس الشديد واللامبالاة مع انخفاض الوعي.
- الارتباك وعدم القدرة على التركيز بسبب انخفاض حرارة المخ.
- حركات بطيئة ومتثاقلة مختلفة عن الطبيعي.
3. أعراض المرحلة شديدة الخطورة
تمثل هذه المرحلة الوصول إلى حالة الخطر وتكون الحرارة أقل من 28 درجة مئوية (82 فهرنهايت) ويحدث فيها:
- فقدان الوعي التام.
- نبض ضعيف جداً وغير محسوس نتيجة انخفاض الأيض.
- تنفس بطيء جداً وسطحي حين تنخفض كفاءة الرئة.
- توسع حدقة العين (قد يبدو المصاب وكأنه فارق الحياة).
هل يختلف انخفاض الحرارة المرضي عن "البرد العادي"؟
نعم، هناك فرق شاسع. "البرد العادي" أو القشعريرة هي رد فعل طبيعي ومؤقت لمحاولة توليد الحرارة، وغالباً ما يتوقف بمجرد دخول مكان دافئ. أما الانخفاض المرضي (Hypothermia) فهو حالة "جهازية" يفشل فيها نظام تنظيم الحرارة في الدماغ، وتبدأ الأعضاء في التباطؤ، وقد لا يشعر المصاب بمدى خطورة حالته بسبب التشوش الذهني الذي يصاحب الإصابة. تعرف علي ابسط طرق علاج الحمي.
أسباب انخفاض درجة حرارة الجسم
بينما يُعتبر التعرض للطقس البارد السبب الأكثر وضوحاً، إلا أن هناك عوامل خفية قد تجعل الشخص عرضة للإصابة حتى في درجات حرارة معتدلة نسبياً.
1. التعرض البيئي
- الملابس غير المناسبة: الخروج في الجو البارد دون غطاء للرأس أو ارتداء ملابس خفيفة.
- البلل: البقاء بملابس مبللة (سواء من المطر أو العرق الغزير) يفقد الجسم حرارته بسرعة هائلة.
- الرياح: تيار الهواء البارد يخترق الملابس الخفيفة ويزيد من عامل "برودة الرياح" (Wind Chill).
2. أسباب طبية ودوائية
بعض الأمراض تعطل "الترموستات" الداخلي، مثل:
- قصور الغدة الدرقية: يبطئ عملية الأيض وتوليد حرارة الجسم انظرعلاج قصور الغدة الدرقية بالاعشاب.
- السكري: يضعف الإحساس بالأطراف ويزيد انخفاض درجة حرارة الجسم غير المحسوس.
- أمراض الجهاز العصبي: مثل السكتات الدماغية والزهايمر قد تسبب عدم الإحساس بـ انخفاض الحرارة.
- الأدوية: بعض الأدوية مثل مضادات الاكتئاب، والمهدئات، وبعض مسكنات الألم المخدرة تؤثر على قدرة الجسم على تنظيم حرارته.
3. خرافة الكحول (تحذير طبي هام)
هل تشعر بالدفء عند تناول الكحول؟ هذا خداع فسيولوجي. الكحول يعمل كموسع للأوعية الدموية، مما ينقل الدم الدافئ من أعضائك الداخلية إلى سطح الجلد (فتشعر بالدفء المؤقت)، لكن هذا يجعل جسم الإنسان "يهدر" حرارته المخزنة للخارج بسرعة هائلة، وبشكل خطير.
هل يمكن الإصابة بانخفاض الحرارة داخل المنزل؟
نعم، وبشكل كبير، خاصة في بلادنا العربية. كبار السن والأطفال الرضع هم الأكثر عرضة لهذا النوع من "انخفاض الحرارة الداخلي". يحدث هذا إذا كانت درجة حرارة الغرفة أقل من 18 درجة مئوية لفترات طويلة مع عدم وجود عزل حراري جيد، أو بقاء المسن مستلقياً دون حركة وتغطية كافية. التمثيل الغذائي البطيء لدى كبار السن يجعلهم غير قادرين على توليد الحرارة الكافية لتعويض برودة الغرفة.
مضاعفات انخفاض درجة حرارة الجسم
إهمال العلاج الفوري لا يهدد فقط بانخفاض الحرارة، بل يفتح الباب لمضاعفات قد تكون دائمة أو قاتلة:
- عضة الصقيع (Frostbite): هي تجمد الجلد والأنسجة التحتية. تحدث غالباً في الأطراف (أصابع اليدين والقدمين، الأنف، الأذن). تبدأ باحمرار وتنميل، ثم يتحول الجلد للأبيض الشمعي أو الرمادي، وفي الحالات الشديدة يتحول للأسود (موت الأنسجة) مما قد يستدعي البتر.
- الغرغرينا (Gangrene): نتيجة لتلف الأنسجة وموتها بعد عضة الصقيع الشديدة أو انقطاع التروية الدموية لفترة طويلة.
- تلف الأعصاب: قد يؤدي التعرض الطويل للبرد إلى خدر دائم أو آلام عصبية مزمنة في الأطراف المصابة (ما يعرف بـ Trench Foot في حال الرطوبة والبرد).
- المضاعفات القلبية: انخفاض الحرارة يسبب اضطرابات كهربائية في القلب (Arrhythmias)، وأخطرها هو "الرجفان البطيني"، وهو السبب الرئيسي للوفاة في حالات انخفاض الحرارة الشديد.
ماذا يجب أن تفعل لعلاج انخفاض درجة حرارة الجسم؟
- النقل فوراً: أخرج المصاب من البرد إلى مكان دافئ وجاف ومحمي من الرياح. إذا لم يمكن تحريكه، فاحمه من البرد وعزل جسمه عن الأرض الباردة ببطانيات.
- انزع الملابس المبللة: تخلص من أي ملابس رطبة فوراً، ولكن برفق شديد (قصها بالمقص إذا لزم الأمر لتجنب تحريك المصاب بعنف).
- التدفئة السلبية (الطبقات): غطِ الشخص بطبقات متعددة من البطانيات الجافة. ابدأ بتغطية الرأس والرقبة والجذع (الصدر والبطن) قبل الأطراف.
- التلامس الجسدي: في الحالات الطارئة ودون وجود وسائل تدفئة، يمكن لشخص سليم ودافئ أن يستلقي بجوار المصاب تحت البطانيات لنقل حرارة جسمه إليه (Skin-to-Skin contact).
- المشروبات الدافئة: إذا كان المصاب واعيًا تمامًا وقادرًا على البلع، قدم له مشروباً دافئاً ومحلى (سكريات لرفع الطاقة). تجنب الكافيين والكحول.
تحذيرات قاتلة (أخطاء شائعة جداً عند العلاج):
- ⛔ لا تفرك أو تدلك الأطراف: الجلد المتجمد قد يتمزق، والتدليك يعيد الدم البارد وحمض اللاكتيك المتراكم في الأطراف فجأة إلى القلب، مما قد يسبب توقف القلب.
- ⛔ لا تستخدم حرارة مباشرة عالية: مثل المصابيح القوية للحرارة أو الماء الساخن جداً؛ التسخين السريع لـ درجة حرارة الجسم يسبب حروقاً وصدمة ولا يعالج انخفاض الحرارة.
- ⛔ لا تعطِ مشروبات: إذا كان الشخص فاقداً للوعي لتجنب الاختناق.
الوقاية من انخفاض حرارة الجسم
الوقاية دائماً أذكى من العلاج. لضبط حرارة الجسم ولدرجات آمنة:
- الطبقة الأساسية: خامة تمتص العرق وتطرده، تجنب القطن تماماً في الشتاء لأنه يحتفظ بالرطوبة ويبرّدك.
- الطبقة العازلة: صوف أو "فليس" (Fleece) لحبس درجة حرارة الجسم.
- القشرة الخارجية: سترة مقاومة للرياح والمطر تمنع انخفاض الحرارة.
س: هل يمكن علاج انخفاض درجة حرارة الجسم في المنزل؟
ج: الحالات الخفيفة فقط (حيث تنخفض الحرارة قليلاً ولا تقل عن 35 درجة مئوية أو 95 فهرنهايت) يمكن تدفئتها منزلياً. أي حالة يظهر فيها اضطراب في الوعي أو توقف عن الارتجاف تتطلب مستشفى فوراً، لأنها خطيرة جداً.

