علاج فقدان حاسة الشم وأسبابه

فقدان حاسة الشم قد يبدأ بموقف عابر: تفتح علبة القهوة صباحاً فلا تجد لها رائحة، أو تأكل طبقك المفضل فتشعر أنه صار باهتاً بلا نكهة. هذا العرض يقلق كثيرين، خاصة بعد أن ارتبط في أذهان الناس بكورونا، لكن معظم حالات ضعف الشم تعود لأسباب شائعة مثل نزلات البرد والتهاب الجيوب الأنفية، وكثير منها يتحسن تلقائياً خلال أسابيع إلى أشهر. ما يحدد فرص التعافي هو السبب: هل الرائحة لا تصل إلى أعصاب الشم بسبب انسداد في الأنف، أم أن الخلايا العصبية نفسها تأثرت؟ حين تعرف الفرق، تفهم متى يكفي الانتظار، ومتى يحتاج اضطراب الشم إلى فحص طبي وعلاج موجّه.

أسباب فقدان حاسة الشم وعلاجها مع إبراز التجويف الأنفي والأعصاب الشمية وامرأة تحاول شم زهرة.
تعتمد حاسة الشم على وصول جزيئات الروائح إلى المستقبلات الشمية داخل الأنف ونقل الإشارات إلى الدماغ

فقدان حاسة الشم هو عجز كلي أو جزئي عن إدراك الروائح. قد ينتج عن انسداد توصيلي يمنع وصول الرائحة كاللحميات والتهاب الجيوب، أو عن تلف عصبي حسي بعد الفيروسات. يستعيد معظم المصابين بعد كورونا الشم خلال أسابيع إلى ستة أشهر. يفيد التدريب الشمي في التلف العصبي، وتفيد بخاخات الكورتيزون في حالات الالتهاب واللحميات.

ما هو فقدان حاسة الشم؟

يبدأ الشم في رقعة صغيرة أعلى تجويف الأنف تُسمى الظهارة الشمية، وتقع في ممر ضيق يُعرف بالشق الشمي. في هذه الرقعة ملايين الخلايا العصبية التي تلتقط جزيئات الرائحة مع الهواء الداخل، ثم ترسل إشاراتها عبر ألياف دقيقة تعبر ثقوب عظمة رقيقة في سقف الأنف (الصفيحة المصفوية) لتصل إلى البصلة الشمية في قاعدة الدماغ. مجموع هذه الألياف هو العصب الشمي، أو العصب القحفي الأول (Olfactory Nerve – Cranial Nerve I).

ميزة هذه الخلايا أنها من الخلايا العصبية القليلة التي تتجدد طوال العمر من خلايا جذعية في بطانة الأنف، وهذا ما يفسر عودة الشم عند كثير من المصابين بعد الالتهابات الفيروسية.

يصنّف الأطباء اضطراب الشم إلى أنواع:

  • فقدان الشم الكلي (Anosmia): غياب تام وشامل للقدرة على إدراك أي رائحة.
  • ضعف الشم الجزئي (Hyposmia): تراجع حساسية الأنف بحيث لا يُميز المريض سوى الروائح النفاذة فقط.
  • تشوه الروائح (Parosmia): تحول الروائح المألوفة إلى روائح منفرة وكريهة كاحتراق البصل أو اللحم المتعفن.
  • الشم الوهمي (Phantosmia): إدراك روائح كيميائية أو دخانية لا وجود لها في المحيط الخارجي.

ارتباط حاسة الشم بفقدان التذوق

يشكو نحو ثلثي من فقدوا الشم من أنهم فقدوا التذوق أيضاً، مع أن اللسان عندهم سليم في الغالب. السبب أن براعم التذوق تميّز خمسة أذواق أساسية فقط:

  • الحلو
  • المالح
  • الحامض
  • المر
  • الأومامي (طعم المرق واللحم)

أما النكهة التي تميز الفراولة عن المانجو، أو القهوة عن الشاي، فتأتي من الشم. أثناء المضغ تصعد روائح الطعام من خلف الفم إلى الأنف، وهو ما يُسمى الشم الرجعي (Retronasal Olfaction). حين يتعطل الشم، يبقى الطعم الحلو أو المالح، وتختفي النكهة.

جرّب هذا الاختبار البسيط: أغلق أنفك بأصابعك وضع قطعة حلوى بنكهة فاكهة في فمك. ستشعر بالحلاوة، لكنك لن تميز نوع الفاكهة حتى تفتح أنفك. فقدان التذوق الحقيقي نادر، ولا يتجاوز نحو 3% ممن يراجعون عيادات اضطرابات الشم والتذوق.

أسباب فقدان حاسة الشم الشائعة

تنقسم أسباب فقدان الشم إلى مسارين يختلف علاج كل منهما:

  • الفقدان التوصيلي (الانسدادي): الأعصاب سليمة، لكن الرائحة لا تصل إليها بسبب عائق في الأنف.
  • الفقدان الحسي العصبي: الرائحة تصل، لكن الخلايا الشمية أو العصب أو مراكز الدماغ لا تستقبلها كما يجب.

التهاب الجيوب المزمن قد يجمع الاثنين معاً؛ فاللحميات تسد الطريق، والالتهاب نفسه يؤذي الخلايا الشمية.

وجه المقارنة الفقدان التوصيلي الفقدان الحسي العصبي
مكان المشكلة ممر الهواء في الأنف الخلايا الشمية أو العصب أو الدماغ
أشهر الأسباب اللحميات، التهاب الجيوب، الحساسية، انحراف الحاجز الفيروسات، إصابات الرأس، الأمراض العصبية
الأعراض المرافقة انسداد ورشح وضغط في الوجه غالباً بلا انسداد، وقد يظهر تشوه الروائح
تذبذب الشم يتحسن ويسوء مع الاحتقان ثابت نسبياً
الاستجابة للكورتيزون جيدة غالباً محدودة
العلاج الأساسي بخاخات، غسول، جراحة بالمنظار التدريب الشمي والوقت

العدوى الفيروسية ونزلات البرد الحادة

الالتهابات الفيروسية من أكثر أسباب فقدان الشم المستمر شيوعاً. نزلات البرد والإنفلونزا قد تؤذي بطانة الشم مباشرة، أما فيروس كورونا فيهاجم أساساً الخلايا الداعمة المحيطة بالخلايا العصبية الشمية، فيتعطل الشم فجأة دون انسداد يُذكر في الأنف. ولأن الخلايا العصبية نفسها تنجو في كثير من الحالات، يعود الشم عند الأغلبية بسرعة نسبية.

ما تقوله الأرقام عن الشفاء بعد كورونا، وفق تحليل كبير شمل أكثر من 3600 مريض:

  • نحو 74% استعادوا الشم خلال شهر.
  • نحو 86% خلال شهرين.
  • نحو 90% خلال ثلاثة أشهر.
  • نحو 96% خلال ستة أشهر.

ويبقى قرابة 5% يعانون ضعفاً مستمراً بعد ستة أشهر. وفي الفقدان التالي لفيروسات أخرى، يتحسن ما بين ثلث وثلثي المرضى خلال سنة إلى سنتين، وقد يستمر التحسن البطيء حتى ثلاث سنوات. صغر السن وبقاء جزء من الشم في البداية من العلامات المبشرة.

لحميات الأنف والتهاب الجيوب الأنفية

اللحميات الأنفية زوائد التهابية لينة تنمو من بطانة الجيوب وتتدلى في ممرات الأنف، فتسد الشق الشمي وتمنع جزيئات الرائحة من الوصول إلى الظهارة الشمية. يعاني ضعف الشم ما بين 61% و83% من مرضى التهاب الجيوب الأنفية المزمن، وتصل النسبة إلى 95% عند من لديهم لحميات.

علامات تشير إلى أن السبب انسدادي:

  • انسداد أنفي مزمن في الجهتين.
  • إفرازات سميكة من الأنف أو تنقيط خلفي في الحلق.
  • ضغط أو ثقل في الوجه والجبهة.
  • شم يتحسن مؤقتاً بعد كورس كورتيزون ثم يعود للضعف.

أسباب انسدادية أخرى: الإصابة بـ حساسية الأنف المزمنة، وانحراف الحاجز الأنفي الشديد، وتضخم القرينات.

صدمات الرأس والإصابات العصبية المباشرة

السقوط أو حوادث السيارات أو ضربة قوية على مؤخرة الرأس قد تحرك الدماغ داخل الجمجمة حركة مفاجئة، فتنقطع الألياف الشمية الرقيقة عند عبورها ثقوب الصفيحة المصفوية. يحدث ذلك أحياناً حتى مع إصابات تبدو بسيطة. فرص التعافي هنا أقل من الفقدان الفيروسي، وتتراوح بين 10% و36%، ويحدث معظم التحسن في السنة الأولى، وتقل احتمالاته بعد مرور سنتين.

الأمراض العصبية التنكسية: ضعف الشم يظهر عند 70% إلى 90% من مرضى باركنسون، وقد يسبق الرعشة وبطء الحركة بسنوات تتراوح بين سنتين وعشر سنوات. ويظهر كذلك عند نحو 85% من مرضى ألزهايمر في مراحله المبكرة. هذا لا يعني أن كل من ضعف شمه سيصاب بهذه الأمراض؛ فالغالبية العظمى من حالات فقدان الشم لها أسباب أنفية أو فيروسية. الربط يصبح مهماً حين يضعف الشم تدريجياً بلا سبب واضح عند شخص كبير في السن، مع رعشة أو بطء حركة أو نسيان متزايد.

أسباب أخرى أقل شيوعاً:

  • التقدم في العمر.
  • التدخين.
  • بعض الأدوية والعلاج الكيميائي.
  • التعرض للمذيبات والمواد الكيميائية.
  • حالات خلقية نادرة مثل متلازمة كالمان.
إنفوجرافيك يوضح خطوات تدريب حاسة الشم بالزيوت العطرية والفرق بين الفقدان التوصيلي والعصبي
مخطط يوضح خطوات التدريب الشمي اليومي لتحفيز تجدد الخلايا العصبية الشمية

هل فقدان حاسة الشم خطير؟

في أغلب الحالات لا، خاصة إذا جاء مع زكام أو التهاب جيوب واضح. لكن هناك علامات تستدعي فحصاً عاجلاً عند طبيب الأنف والأذن أو طبيب الأعصاب:

  • فقدان الشم من جانب واحد (Unilateral Anosmia): قد لا يلاحظه المريض نفسه، ويكتشفه الطبيب عند اختبار كل فتحة أنف على حدة. هذا النمط يستوجب تصويراً بالرنين المغناطيسي لاستبعاد ورم في المنطقة الشمية، وأشهرها الورم السحائي في الأخدود الشمي (Olfactory Groove Meningioma). هذا الورم حميد وبطيء النمو، لكنه قد يكبر لسنوات دون أن ينتبه أحد، لأن المريض يتجاهل ضعف الشم حتى يظهر صداع أو تغير في الشخصية أو ضعف في النظر.
  • فقدان مفاجئ دون زكام أو انسداد أو عدوى سابقة.
  • ظهور الفقدان بعد إصابة في الرأس.
  • انسداد الأنف من جهة واحدة مترافقاً مع نزيف الأنف المتكرر أو إفرازات دموية: قد يشير إلى ورم نادر في سقف الأنف يُسمى الورم الأرومي العصبي الشمي (Esthesioneuroblastoma).
  • صداع جديد مستمر، أو تغير في النظر أو الشخصية أو الذاكرة.
  • ضعف شم تدريجي عند كبار السن مع رعشة أو بطء حركة أو نسيان.
  • استمرار الفقدان أكثر من بضعة أسابيع بعد زوال أعراض الزكام.

طرق علاج فقدان حاسة الشم

يعتمد علاج فقدان حاسة الشم على السبب، ويسير في ثلاثة مسارات:

  • المسار الدوائي: يفيد أكثر حين يكون السبب التهاباً أو انسداداً.
  • المسار الجراحي: لحالات اللحميات والتهاب الجيوب التي لم تستجب للأدوية.
  • التأهيل العصبي (التدريب الشمي): الخيار الأول في الفقدان التالي للفيروسات وإصابات الرأس.

لا يوجد دواء يضمن استعادة الشم في الفقدان الحسي العصبي، والمراجعات العلمية تقر بأن أدلة معظم الأدوية في هذه الحالات ما زالت محدودة.

أدوية استرجاع حاسة الشم الطبية

بخاخات الكورتيزون الموضعية: تقلل التهاب بطانة الأنف وتصغّر اللحميات. من أشهرها:

  • موميتازون (Mometasone)، مثل نازونكس (Nasonex).
  • فلوتيكازون فوروات (Fluticasone Furoate)، مثل أفاميس (Avamys).
  • فلوتيكازون بروبيونات (Fluticasone Propionate)، مثل فليكسونيز (Flixonase).

هذه البخاخات فعالة في حالات اللحميات والتهاب الجيوب المزمن وحساسية الأنف. أما في الفقدان التالي للفيروسات، فالأدلة على فائدة البخاخ وحده ضعيفة، ولا توصي بها بعض المراجعات روتينياً، لكن بعض الأطباء يجربونها لأنها آمنة نسبياً. ولضمان نفاذ الرذاذ إلى الشق الشمي في أعلى سقف الأنف وتفادي اصطدامه بالقرينات السفلية، يوصي الاستشاريون باستخدام البخاخ في وضعية السجود أو ثني الرأس لأسفل وللأمام (وضعية كايتيكي - Kaiteki position)، مع توجيه فوهة البخاخ نحو زاوية العين الخارجية لا نحو الحاجز الأنفي.

العلاج البيولوجي للحميات الشديدة: حقن دوبيلوماب (Dupilumab) المعروفة تجارياً باسم دوبيكسنت (Dupixent) تُستخدم في اللحميات الشديدة المتكررة. في تجارب واسعة، انخفضت نسبة فاقدي الشم كلياً من نحو 75% إلى ما بين 24% و30% بعد 24 أسبوعاً من العلاج.

مضادات الاحتقان: بخاخات مثل أوكسي ميتازولين أفرين (Afrin) أو زايلوميتازولين أوتريفين (Otrivin) تفتح الأنف مؤقتاً، لكنها لا تعالج العصب. لا تستخدمها أكثر من بضعة أيام، لأن الإطالة تسبب احتقاناً ارتدادياً أسوأ من الأصلي.

غسول الأنف بالمحلول الملحي: مثل فيسيومير (Physiomer) أو نيل ميد سينوس رينس (NeilMed Sinus Rinse)، ينظف الإفرازات ويحسن وصول البخاخات.

مكملات الزنك وفيتامين B12: نقص الزنك ونقص فيتامين B12 يرتبطان بضعف الشم، وتعويضهما يفيد حين يثبت النقص بتحليل الدم. من المستحضرات المتداولة الزنك الفموي مثل أوكتوزينك (Octozinc)، ومركبات فيتامين B مثل نيوروبيون (Neurobion) أو ميلجا (Milga). أدلة الزنك متضاربة؛ بعض الدراسات الصغيرة أظهرت تسريع التعافي بعد كورونا وإصابات الرأس، ومراجعات أخرى لم تجد فائدة في الفقدان الفيروسي. أما الأوميجا 3 وقطرات فيتامين A الأنفية، فدُرست في أبحاث أولية بنتائج متباينة. يحدد الطبيب الجرعة والمدة بعد التحليل.

خطوات تدريب حاسة الشم منزلياً

التدريب الشمي (Olfactory Training) هو العلاج الذي توصي به مجموعات العمل الدولية المتخصصة في الشم كخيار أول للفقدان التالي للفيروسات. فكرته تحفيز الخلايا الشمية المتجددة على بناء اتصالاتها مع الدماغ عبر التعرض المنتظم لروائح محددة. أظهرت دراسة أن نحو 68% من مرضى الفقدان الفيروسي و33% من مرضى إصابات الرأس تحسنوا بعد 16 أسبوعاً من التدريب.

خطوات التدريب:

  1. تجهيز الزيوت: جهّز أربع زجاجات صغيرة، في كل منها زيت عطري واحد: الورد، الليمون، القرنفل، الأوكالبتوس. ضع بضع قطرات على قطنة داخل كل زجاجة.
  2. اختيار المكان: اجلس في مكان هادئ، وافتح الزجاجة الأولى.
  3. الاستنشاق والتركيز الذهني: استنشق بلطف لمدة 15 إلى 30 ثانية، وركّز ذهنك على تذكر شكل الرائحة: تخيل وردة أو ليمونة طازجة.
  4. فترة الراحة: استرح نحو 10 ثوانٍ، ثم انتقل للزجاجة التالية.
  5. التكرار اليومي: كرر التمرين مرتين يومياً، صباحاً ومساءً.
  6. الالتزام الزمني: استمر ثلاثة أشهر على الأقل؛ فالتحسن بطيء ولا يظهر في الأسابيع الأولى عادة.
  7. تنويع الروائح: بعد ثلاثة أشهر، يمكن تبديل الروائح بمجموعة جديدة مثل النعناع والزعتر واليوسفي والياسمين، فالتنويع قد يزيد الفائدة.
  8. التدوين الأسبوعي: دوّن في دفتر صغير ما تشعر به أسبوعياً لتلاحظ التحسن.

كلما بدأت التدريب مبكراً، كانت فرص الاستفادة أفضل.

وصفات منزلية وشعبية متداولة، وما يفيد منها فعلاً:

  • غسول الأنف بالماء والملح: ماء مغلي ثم مبرد مع ملح غير مكرر. يفيد فعلاً في التهاب الجيوب والحساسية، ولا تستخدم ماء الصنبور دون غلي.
  • استنشاق البخار الدافئ: وعاء ماء ساخن مع قطرات من المنثول أو الأوكالبتوس. يخفف الاحتقان مؤقتاً أثناء الزكام، ولا يعالج تلف العصب. احذر الحروق، خاصة مع الأطفال.
  • شم القهوة المطحونة وقشر البرتقال والقرنفل والثوم يومياً: عادة متوارثة عند كثيرين، وهي في جوهرها تدريب شمي غير منظم. تفيد إذا التزمت بها بانتظام.
  • مشروبات الزنجبيل والليمون والعسل الدافئة: تريح الحلق والأنف أثناء الزكام، لكن لا يوجد دليل على أنها تعيد الشم.
  • تقطير الزيوت داخل الأنف: ممارسة شعبية خاطئة يحذر منها أطباء الأنف والأذن؛ إذ يؤدي تسرب قطرات الزيوت عبر مجرى التنفس إلى الرئتين إلى الإصابة بالالتهاب الرئوي الشحمي (Lipoid pneumonia)، فضلاً عن شل حركة الأهداب التنفسية.

استئصال لحميات الأنف جراحياً بالمنظار

حين لا تستجيب اللحميات والتهاب الجيوب المزمن للبخاخات والكورتيزون، يقترح الطبيب جراحة الجيوب الأنفية الوظيفية بالمنظار (FESS – Functional Endoscopic Sinus Surgery). يدخل الجراح منظاراً رفيعاً عبر فتحتي الأنف دون أي شق خارجي، فيزيل اللحميات ويوسّع فتحات الجيوب، ليعود الهواء المحمل بالروائح إلى الظهارة الشمية.

ما يمكن توقعه بعد الجراحة:

  • يتحسن الشم عند نسبة كبيرة من المرضى، وتتفاوت النسب بين الدراسات من 25% إلى 80%.
  • المستفيد الأكبر هو من فقد الشم كلياً قبل الجراحة؛ ففي إحدى الدراسات تحسن 70% منهم.
  • من تحسن شمه مع كورس الكورتيزون قبل الجراحة، تكون فرصته أفضل في التحسن بعدها.
  • اللحميات قد تعود، لذلك يستمر المريض على بخاخ الكورتيزون والمتابعة بعد العملية.
  • هناك احتمال صغير لتراجع الشم بعد الجراحة، بين 2% و9%.

هذه الجراحة لا تفيد في الفقدان الناتج عن الفيروسات أو إصابات الرأس، لأن المشكلة هناك في العصب لا في الممر.

مخاطر فقدان الشم ومحاذير الزنك الأنفي:

الأنف يحميك من أخطار لا تراها. أظهرت دراسة امتدت ثلاثين عاماً أن فاقدي الشم أكثر عرضة لحوادث منزلية خطرة بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم. أكثر هذه الحوادث: احتراق الطعام على النار، تناول طعام فاسد، عدم الانتباه لتسرب الغاز، وعدم الإحساس بالدخان. إذا كنت تعاني من فقدان الشم:

  • ركّب جهاز إنذار للدخان وآخر لتسرب الغاز في المطبخ، وافحص بطاريتهما دورياً.
  • اكتب تاريخ فتح الأطعمة على العبوات، والتزم بتواريخ الصلاحية.
  • اطلب من أحد أفراد الأسرة فحص الطعام المشكوك فيه.
  • لا تترك الطعام على النار وتبتعد عن المطبخ.

لا تستخدم أي منتج زنك يوضع داخل الأنف (جل أو بخاخ أو قطرة). في عام 2009 حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) من جل الزنك الأنفي لعلاج البرد، بعد مئات البلاغات عن فقدان شم دائم غير قابل للعلاج. يصف المرضى إحساساً بحرقة شديدة أعلى الأنف بعد الاستخدام، يتبعه فقدان الشم خلال يوم أو يومين. الزنك الذي يصفه الطبيب على شكل أقراص عند ثبوت النقص أمر مختلف تماماً.

أسئلة شائعة حول فقدان الشم

كم يستمر فقدان حاسة الشم؟

يختلف حسب السبب. بعد الزكام العادي يعود الشم غالباً خلال أيام إلى أسبوعين. بعد كورونا يتعافى نحو 90% خلال ثلاثة أشهر ونحو 96% خلال ستة أشهر، ويبقى قرابة 5% لفترة أطول. وفي الفقدان الفيروسي المستمر، قد يستمر التحسن التدريجي حتى سنتين أو ثلاث. أما بعد إصابات الرأس، فالتعافي أبطأ وأقل احتمالاً.

لماذا أشم روائح كريهة غريبة؟

هذه الظاهرة تُسمى الباروسميا (Parosmia)، وتظهر عادة بعد شهرين إلى ثلاثة من فقدان الشم، وتصيب نحو نصف من فقدوا الشم بعد كورونا. يرى كثير من الأطباء أنها علامة على تجدد الخلايا العصبية الشمية التي تعيد بناء اتصالاتها بالدماغ بصورة غير مكتملة في البداية، وربطتها دراسات بتعافٍ أفضل لاحقاً. تتلاشى تدريجياً عند الأغلبية خلال أشهر إلى سنة أو سنتين، ويساعد التدريب الشمي في تسريع ذلك.

هل يعود الشم بعد صدمات الرأس؟

قد يعود، لكن فرصه أقل من الفقدان الفيروسي، وتتراوح بين 10% و36%. بعض الألياف المقطوعة تستطيع النمو من جديد عبر الصفيحة المصفوية، ويحدث معظم التحسن خلال السنة الأولى. التدريب الشمي حسّن النتائج عند نحو ثلث مرضى إصابات الرأس في إحدى الدراسات، لذلك يُنصح ببدئه مبكراً.

هل نقص الفيتامينات يضعف الشم؟

نعم، نقص الزنك ونقص فيتامين B12 يرتبطان بضعف الشم، وتعويضهما يفيد حين يثبت النقص بالتحليل. الأوميجا 3 دُرست في أبحاث صغيرة بنتائج غير حاسمة. تناول المكملات دون نقص مثبت لا يعيد الشم غالباً، ويجب تجنب أي زنك يوضع داخل الأنف.

هل فقدان حاسة الشم دائم؟

في معظم الحالات لا. الحالات الانسدادية الناتجة عن اللحميات والتهاب الجيوب والحساسية قابلة للعلاج غالباً، وأغلب حالات الفقدان الفيروسي تتحسن مع الوقت. يزداد احتمال الفقدان الدائم مع إصابات الرأس الشديدة، والفقدان الكلي المستمر لسنوات، والتقدم في العمر، والتعرض للمواد السامة، والأمراض العصبية التنكسية. وحتى في هذه الحالات، قد يحقق التدريب الشمي تحسناً جزئياً.

رسالة ختامية: فقدان حاسة الشم الذي يستمر أكثر من بضعة أسابيع بعد زوال الزكام يستحق زيارة عيادة الأنف والأذن والحنجرة. هناك يفحص الطبيب الأنف بالمنظار الصلب ليرى الشق الشمي مباشرة، ويستبعد اللحميات والأورام، وقد يجري اختبار شم معتمداً لقياس الدرجة بدقة، ويطلب رنيناً مغناطيسياً إذا كان الفقدان في جهة واحدة أو تلا إصابة في الرأس. لا تنتظر طويلاً لتبدأ التدريب الشمي؛ فالبدء المبكر يرتبط بنتائج أفضل، وهو آمن ويمكنك تطبيقه في بيتك من اليوم.

إخلاء مسؤولية طبية: المعلومات الواردة في هذا المقال لأغراض التوعية والتثقيف الصحي فقط، ولا تُعد بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة أو التشخيص السريري لدى طبيب الأنف والأذن والحنجرة أو طبيب الأعصاب لتحديد العلاج الدقيق لحالتك.

المراجع والمصادر الطبية المعتمدة
author-img
سامي حجاج

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent